قراءة للمعطيات الجنائية في تقرير كاسيزي:قتلة الحريري باتوا مكشوفين وهذه هي ملامحهم
قلة ستتحلى بصبر يؤهلها لقراءة تقرير رئيس المحكمة الخاصة بلبنان أنطونيو كاسيزي الذي اختصر عاما من عمر هذه المحكمة وقدم برنامجا لعام ثان قد بدأ،إلا أن كثيرون سيتناولون هذا التقرير من مدخل التفسيرات التي سوف تقدمها لهم الأطراف السياسية التي بها يلتزمون. ومهما كانت عليه الحال،فإن هذا التقرير السنوي الذي توزعت معطياته على 74 صفحة فولسكاب ،يُعتبر واحدة من أهم وثائق المحكمة الخاصة بلبنان حتى الآن،ليس لأنه بسّط التعقيدات ،وليس لأنه كشف أمورا في غاية الأهمية بيّنت أن الحقيقة في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري جرى كشفها وهي في طور بلورة أدلة تسمح بمحاكمة مستقطبة للعدالة ،بل لأنه ،ومن باب أولى،أثبت أن المحكمة الخاصة بلبنان مستمرة وبزخم متصاعد. ومن يدرس تاريخ كاسيزي في المحاكم الدولية ،يدرك أن هذا القاضي الإيطالي ليس من تلك المجموعة التي تتستر على "العورات"لتحصد فشلا،بل هو ممن يكشفونها ليحصد النجاح . ومن يدقق بمعطيات تقريره ،يكتشف أن كاسيزي مرتاح لمسار الأمور في المحكمة الخاصة بلبنان ،لأن ما تواجهه من صعوبات لا علاقة له ،بنقص في الإحتراف لدى القيمين على التحقيق،ولا في خلل في تركيبة المحكمة ،بل يعود الى عوامل موضوعية يمكن التغلب عليها بجهد "مبذول"،ومنها على سبيل المثال لا الحصر،التعقيدات التي تحفل بها عملية جمع الأدلة ،في ملفات الإرهاب الناجم عن عمليات اغتيال ترتكبها جماعات "محصنة". وإذا كان تقرير كاسيزي قد جال على أسباب التأخير في عمليات جمع الأدلة ،بطريقة أظهرت ملامح القتلة المفترضين ،فإنه ،وفي الأبواب التي تطرق فيها الى عمل مكتب المدعي العام دانيال بلمار ،اصر على تعميم التفاؤل من خلال تكرار مقولة التقدم الحاصل في التحقيق. التقدم الحاصل في التحقيق،وفق تقرير بلمار،ليس مجرد شعار ،بل هو مستند الى معطيات ،تمكن من نشر بعضها بطريقة تحفظ سرية التحقيقات التي يحرص عليها دانيال بلمار،تحت شعار عدم تمكين القتلة من معرفة المسافة التي تفصله عنهم . ولعل ما قاله بلمار في تقريره ،يمكن اختصاره بالآتي:بتنا نعرف حقيقة ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري،ولكننا نبلور الأدلة حتى لا يستفيد هؤلاء الإرهابيون من الثغرات فيفلتوا من المحاكمة وتتوه الحقيقة. من هم هؤلاء القتلة ؟ يقدم التقرير لهؤلاء ملامح ،وهي ملامح ناجمة عن المعرفة. يقول عنهم إنهم يتمتعون بانصباط ،وقد تطوروا . وهم نفذوا الجريمة بالاشتراك مع مجموعة أكبر. وهم،وهنا الأهم، الأشخاص الذين استخدموا الشبكة المحددة. ما هي الشبكة المحددة التي يتكلم عنها بهذا الإقتضاب؟ إنها الشبكة التي كانت تستعمل الهواتف الخلوية التي جرى اكتشافها. وهي شبكة ،وفق ما بات معلوما،لم تعد مجهولة ،بل باتت غالبية من كانوا في عدادها مكشوفين. وهنا تتمظهر المعلومات التي سبق ونشرتها عن "الشبكة المحددة"صحيفتا "دير شبيغل"الألمانية و"لوموند"الفرنسية. ولأن إتجاه الحقيقة بات معلوما،فإن مكتب المدعي العام وجد جرأة ،منطلقها اليقين،لحذف احتمالات من الملف ومع حذف الإحتمالات يجري حذف معطيات وشهود ،لمصلحة تعزيز الأدلة واستقطاب نوعية محددة من الشهود. وعلى هذا الأساس ،كتب كاسيزي في تقريره،بالإستناد الى ما أبلغه إياه بلمار ،أن " مكتب المدعي العام تقدما ملموسا بشأن إظهار الحقيقة في الملفات الواقعة ضمن اختصاصه"و"تسريع المدعي العام وتيرة تحقيقاته من أجل تعجيل تقديم قرارات الاتهام إلى قاضي الإجراءات التمهيدية"، و"أحرز تقدم كبير يدعو للتفاؤل بشأن النتائج المنتظرة للتحقيق"، و"تعمل شعبتا التحقيقات والادعاء العام معا لضمان قبول ثمار جهود هذه التحقيقات في المحاكم. لذلك، يجري اتخاذ كل الخطوات ليتم الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة الادعاء بسلاسة ولتسير عملية المحاكمة بأسرع وقت ممكن." و"يواصل مكتب المدعي العام تحسين قدرته على إدارة واستثمار أكثر من 12,000 دليل و 200,000 صورة، وأكثر من 200 تقرير عن الأدلة الجنائية في مسارح الجرائم من أجل استخدامها في عملية التحقيق والإجراءات القضائية." . و"نتيجة للبنية الأساسية والأنشطة المبينة آنفا، أحرز مكتب المدعي العام تقدما ملموسا في تحضير القضية التي سوف تقدم مرتكبي الجريمة إلى العدالة. وقد تحقق ذلك بالرغم من انضباط من يقفون وراء الاعتداء وتطورهم الواضحين. " و" تم استكمال بناء قاعة المحكمة بحيث سيصبح من المستطاع إجراء أي نشاط قضائي فيها ابتداء من نيسان/أبريل2010." ولعل ما يفترض بقارئ تقرير كاسيزي أن يتوقف عنده يتمثل بالنقاط الإضافية الآتية: أولا، تلزم السلطات اللبنانية بالتعاون مع المحكمة، وبالتالي يتوجب عليها أن تمتثل، وبدون تأخير، لأي طلب مساعدة أو أمر صادر عن المحكمة. ثانيا، في حال عدم امتثال لبنان لأي طلب أو أمر من المحكمة، تقترح المادة 20 من القواعد آلية ثلاثية. أولا، يتشاور الرئيس مع السلطات اللبنانية المعنية بهدف الحصول على التعاون. ثانيا، أي في حال استمر رفض التعاون، يعد قاضي الإجراءات التمهيدية أو غرفة الدرجة الأولى محضرا قضائيا بعدم التعاون. وثالثا، يحيل الرئيس هذا المحضر القضائي إلى مجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات المناسبة. ثالثا، يسرني القول إن لبنان لم يوفر جهدا حتى يومنا هذا في تقديم التعاون الفعال لنا. رابعا،قامت المحكمة بصياغة اتفاق تعاون عام واتفاقات حول تنفيذ الأحكام وقدمتها إلى الدول للنظر فيها. خامسا، ولعل ما يجدر بنا الآن تفسير الأسباب الرئيسية لامتداد فترة التحقيقات التي أجراها مكتب مدعي عام المحكمة في الجرائم الإرهابية الداخلة ضمن اختصاص المحكمة، إظهار كيفية معالجة المحكمة للمشاكل التي تعاني منها أية محكمة جنائية دولية من جهة، وتلك التي تواجهها كمحكمة دولية حين تنظر في جرائم الإرهاب من جهة أخرى . والجدير بالذكر أنه إن سبق عمل أية محكمة جنائية دولية جمع الأدلة والمعلومات من قبل لجنة تحقيق أو لم يسبقها، يبقى جمع الأدلة الذي يراعي معايير المحاكمات الجنائية الدولية الصارمة، عملية معقدة وتستغرق وقتا طويلا. ويفصل بين مباشرة إدعاء محكمة دولية التحقيقات الجنائية دون سواها وبين بدء إجراءات المحاكمة سنتان إلى ثلاثة على الأقل كقاعدة عامة. نذكر على سبيل المثال نظام روما الأساسي الذي دخل حيز النفاذ في تموز/يوليو 2002، بينما عقدت المحكمة الجنائية الدولية أول جلسة محاكمة لها في كانون الثاني/يناير 2009 . وكمثال آخر، اجتمع قضاة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة للمرة الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 1993، غير أن جلسات المحاكمة الأولى في هذه المحكمة لم تبدأ سوى في 7 أيار/مايو 1996. وسبق هذه الجلسات تأسيس لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1992 عملا بقرار مجلس الأمن رقم 780، يهدف التحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة وفحص الأدلة. على نحو مماثل، وبالرغم من إجراء التحقيقات مع المشتبه بهم، بدأت أول محاكمة أمام المحكمة الخاصة لسيراليون في 3 حزيران/يونيو، أي بعد سنتين ونصف تقريبا على توقيع الأمم المتحدة وحكومة سيراليون على الاتفاق الذي تأسست المحكمة بموجبه. لعل أفضل طريقة لإبراز الصعوبات المعينة التي تواجهها محكمة جنائية دولية لدى التحقيق في جرائم إرهابية، تتمثل في إقامة مقارنة مختصرة بين هذه الصعوبات وتلك التي تواجه المحاكم الدولية لدى التحقيق في فئات أخرى من الجرائم الدولية، أي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية (وهي ما تعرف بـ"الجرائم الأساسية" الدولية). بالحديث أولا عن هدف التحقيقات، غالبا ما يكون مرتكبو الجرائم الأساسية الدولية وحدات عسكرية أو مجموعات شبه عسكرية أو مجموعة من الأفراد الذين يتمتعون بدعم هؤلاء؛ وغالبا ما يكون العقل المدبر قادة عسكريين أو سياسيين. بمعنى آخر، إن مرتكبي هذه الجرائم هم من عناصر القوى المسلحة أو الشرطة أو غيرهم من مسؤولي الدولة (بمن فيهم الأشخاص الذي يعملون بذريعة القانون، أو حتى ضمن مجموعات متمردة أو في إطار أوضاع شبيهة بالدول)، أو أفراد يعملون بمساعدة هؤلاء أو بدعمهم أو بموافقتهم. من السهل نسبيا تحديد هوية هذه الوحدات أو المجموعات، إذ إنها تشكل جزءا من جهاز وتعمل عادة في وضح النهار وأحيانا باللباس الرسمي. وغالبا ما تكون المجموعات شبه العسكرية هي أيضا منظمة وممولة من قبل مجموعات أو مؤسسات "رسمية". ويستطيع عادة المتضررون من هذه الجرائم (القتل والاغتصاب والتعذيب وقتل المدنيين، الخ) وغيرهم من الشهود أن يدلوا بشهاداتهم حول الأحداث المتعلقة هذه الجرائم، فيساهمون في تحديد هوية الجناة المزعومين. كما تتوفر غالبا أدلة وثائقية، بشكل أوامر أو توجيهات كانت تلك المجموعات تعمل بموجبها. وفي معظم الأحيان، يقدم مرتكبو الجرائم، بمن فيهم المشاركون في التآمر ورجال الشرطة أو الجنود ذوي المراتب الأدنى، الأدلة حول هذه الأوامر والخطط التي تم إتباعها. ولهؤلاء "الشهود المطلعون على الأسرار الداخلية" أسباب وجيهة تدفعهم للتقدم هذه الأدلة، إذ تنتج عن تعاونكم أحكام مخففة. كما أن مشاركين عدة في هذه المجموعات يصبحون لدى انتهاء الأعمال العدائية أقل التزاما بالقضية التي كانت وراء تورطهم في التراع وفي الجرائم. وفي حالات أخرى، يكون هؤلاء مجرد مجرمين انتهزوا الفرصة في البداية، لكنهم أصبحوا مستعدين لاغتنام فرصة التقدم بأدلة مقابل الحصول على حكم أكثر تساهلا. في المقابل، يؤسس عادة مرتكبو الجرائم الإرهابية خلايا سرية صغيرة تعمل أحيانا بشكل سري، ما يجعل الكشف عن هوية مرتكبي جريمة محددة صعبا للغاية. حتى في الحالات التي يحدث أن تكون كاميرا مراقبة موجودة في مسرح الجريمة، وبالتالي يمكن الحصول على صور المعتدين، قلما يشكل ذلك عاملا مساعدا، إذ يكون مرتكبو الجريمة قد قتلوا أنفسهم خلال ارتكابكم الاعتداء. وبالتالي، يمكن أن يكون اكتشاف الشبكة التي تقف خلف اعتداء إرهابي معين في غاية الصعوبة. جدير بالذكر أيضا أنه في قضايا جرائم الحرب، غالبا ما تكون البنية الأساسية للقوات النظامية أو المجموعات شبه العسكرية معروفة عند الخبراء في القضايا السياسية والعسكرية. أما في القضايا الإرهابية، وبالرغم من اعتماد بنية الخلايا المذكورة أعلاه في أغلب الأحيان، غير أن طريقة عمل شتى المنظمات تختلف إلى حد بعيد. وبالتالي، من دون إمكانية الاستعانة بشاهد أو أكثر من الشهود المطلعين على الأسرار الداخلية أو بشهود خبراء ومتخصصين، قد تكون عملية التحقيق أكثر صعوبة من التحقيق في جرائم الحرب. أضف إلى ذلك أن الأفراد المشاركين في أعمال إرهابية وداعميهم تقودهم عموما معتقدات دينية وإيديولوجيةمرسخة. لهذه الأسباب، وحتى بعد الكشف عن هويتهم وتوقيفهم، يصعب كثيرا الحصول على معلومات منهم، فكيف بالأحرى الحصول على أدلة مقبولة. كما أن أعضاء المجموعات الإرهابية غالبا ما يرغبون عن إبلاغ معلومات حول الشبكة الإرهابية خشية تعرضهم للقتل على الفور أو لغير ذلك من الأعمال الانتقامية من قبل أعضاء آخرين في المجموعة. وبالتالي، في جرائم الإرهاب، يعتبر احتمال الوصول إلى "شهود مطلعين على الأسرار الداخلية" ضئيلا مقارنة بجرائم الحرب. ومن دون هؤلاء الشهود، يصعب أكثر على المحقق أن يجمع الأدلة والأهم أن يكشف هوية المشتبه بهم أو مرتكبي الجرائم المحتملين. في إطار جرائم الحرب وبشكل خاص في القضايا المتعلقة بالقادة الرفيعي المستوى، أثبت "الشهود المطلعون على الأسرار الداخلية" دورهم الحاسم في الكشف عن كيفية ارتكاب الجرائم ومرتكبيها. لا تقل الأدلة التي يوفرها "الشهود المطلعون على الأسرار الداخلية" في القضايا الإرهابية أهمية، لكن يعتبر جمعها أكثر صعوبة بسبب التزام مرتكبي الجرائم الإيديولوجي من جهة وشبكة داعميهم من جهة أخرى. والمعروف عن المجموعات الإرهابية ميلها إلى قتل من يحتمل أن يشهد ضدها أو يخرج منها، فلا شك أن يتردد "الشهود المطلعون على الأسرار الداخلية" المحتملون في التعاون. لكن ثمة نقطة لا بد من التشديد عليها، وهي أنه غالبا ما تبنى القضايا الإرهابية على الأدلة الظرفية، والتي تعتبر في معظم الحالات أقوى من الأدلة المباشرة. ليست الحلقات المستخدمة لصنع درع مزرد قوية بحد ذاتها، لكن حين تجمع مئات الحلقات، يصبح الدرع غير قابل للخرق. وهذه حال الأدلة الظرفية. فإن جمعت مختلف أدلة الإثبات، يستطيع الإدعاء أن يبني قضية أقوى من تلك التي تبنى على الأدلة المباشرة فحسب، كشهادات الشهود العيان. ومع مقارنة إطار الجرائم الإرهابية بقضايا "الجرائم الأساسية"، نجد أيضا أن الأول يتسبب بمشاكل أمنية خطيرة للمحققين وغيرهم من السلطات التي تعد القضية والمحاكمة. إن طبيعة الجرائم الإرهابية التي تترافق عموما مع نوايا وتأثيرات سياسية، ولطبيعة الأشخاص الذين يرتبطون عادة بمجموعات إرهابية، تحتم إجراء التحقيق في بيئة حساسة للغاية محفوفة بأخطار فعلية على الموظفين والأشخاص الذين يتواصلون معهم. قد لا تواجه المحاكم الدولية الأخرى هذه الحالة في غالبية الأحيان، لا سيما حين تكون الأعمال العدائية التي يتم التحقيق فيها قد تراجعت. بالانتقال إلى الجرائم الإرهابية، نلاحظ أن طبيعة المنظمات الإرهابية وتواجدها بشكل سري وعملياتها السرية، تعزز صعوبة جمع الأدلة المباشرة من الشهود العيان. فنادرا ما يتمكن الناجون من الاعتداءات الإرهابية من تحديد هوية مرتكبي الاعتداء المزعومين، إذ يكون هؤلاء قد فجروا القنابل عن بعد أو حتى فجروا أنفسهم خلال تنفيذ الاعتداء. كما أنه ليس من السهل الحصول على المستندات من أرشيف الحكومات أو الأرشيف العسكري لإثبات بنية القيادة وتسلسلها، بسبب ميزات المنظمات الإرهابية التي تمت مناقشتها أعلاه. وكما تم التشديد عليه سابقا، نادرا ما يستطيع المحققون الاعتماد على الشهود المطلعين على الأسرار الداخلية أو الخونة. فالميول الإيديولوجية والحوافز المرسخة التي يتمتع بها أعضاء المنظمات الإرهابية، وحتى الخوف المبرر من التعرض للقتل انتقاما على يد أعضاء آخرين من هذه المجموعات، تحبط عزيمة هؤلاء فيمتنعون عن إبلاغ المحققين عن طريقة عمل المجموعة الإرهابية. ساسدسا، في 29 نيسان/أبريل 2009، أصدر قاضي الإجراءات التمهيدية أمرا بالإفراج عن الأشخاص الأربعة الموقوفين في لبنان في إطار قضية الاعتداء على الحريري، وذلك بناء على استعراض استدعاء المدعي العام الذي يفيد بأنه بعد مراجعة كل المواد التي بحوزته، لم تكن لديه أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى الأشخاص الأربعة، أو لتبرير إبقائهم قيد الاحتجاز. وأشار إلى أنه نظرا إلى التماس المدعي العام الإفراج عن الأشخاص الموقوفين، فإن دوره كقاض للإجراءات التمهيدية لميتمثل في النظر في كل مواد ملف القضية، بل كان عليه التدقيق في ممارسة السلطة التقديرية للمدعي العام للتأكد من عدم كونها غير منطقية بشكل فاضح. ورأى قاضي الإجراءات التمهيدية أن المدعي العام لم يمارس سلطته التقديرية بهذا الشكل. فاستنتج مما تقدم أنه يجب إخلاء سبيل الأشخاص الموقوفين بما أنه لا يمكن اعتبارهم مشتبها بهم أو متهمين أمام المحكمة. سابعا، ساهمت حتى الآن 25 دولة في ميزانية المحكمة منذ إنشائها، إما من خلال التبرعات أو الدعم العيني. تشمل البلدان المساهمة، بالإضافة إلى لبنان: النمسا، وبلجيكا، وكندا، وكرواتيا والجمهورية التشيكية، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وهنغاريا، وايرلندا، وإيطاليا، واليابان، والكويت، ولوكسمبورغ، وهولندا، والدول الإقليمية، والاتحاد الروسي، والسويد، وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة، وتركيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة وأوروغواي. تدرك أجهزة المحكمة كافة كمية العقبات التي تعترض طريقها اليوم وتلك التي ستواجهها عندما تبدأ بأداء مهامها القضائية بالكامل، ولكنها مستعدة لتذليل هذه العقبات بكل جرأة. ففي نهاية المطاف، إن السعي إلى إحقاق حقوق الإنسان، وفي هذه الحالة، إلى صون حقوق المتضررين ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم البشعة، أشبه بمهمة سيزيفية. وفي هذا الصدد، كتب المدافع الرائد عن حقوق الإنسان نلسون مانديلا: "ولكنني اكتشفت سرا يقول: إن الإنسان الحر كلما صعد جبلا عظيما وجد من ورائه جبالا أخرى يصعدها. [...] استراحة المحارب قصيرة لأن للحرية تبعاتها، ولا يسعني الانتظار لأن رحلتي طويلة لم تنته بعد".